الشيخ محمد رشيد رضا

13

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مستأنف من اللّه تعالى جاء بأسلوب الخطابة العربية المؤثرة في الوعظ والتوبيخ وما في معناهما نحو : أنت الذي جنيت علينا ، أنت الذي سلطت علينا أعداءنا ، أنت الذي فرقت كلمتنا ، أنت الذي أوقعت الشقاق بيننا وقال الزمخشري في الكشاف : ان في هذا الاستئناف وتكرير الموصول والصلة مبالغة في رد مقالة الملا لأشياعهم وتسفيها لرأيهم ، واستهزاء بنصحهم لقومهم ، واستعظاما لما جرى عليهم اه وقد خفيت على بعض العلماء الأذكياء دلالة العبارة على هذه المعاني كلها لعدم تأملها : فأما المبالغة في الرد فظاهرة لما يدركه كل من الفرق في نفسه بين ما مثلنا به آنفا لأسلوب الخطابة وبين ذكر تلك المسندات بالعطف ، وسببه ان تكرار ذكر المسند اليه بصيغة الموصول والصلة المؤذن بعلة الجزاء يعيد صورة كل منهما في الذهن ، ويكون حكما جديدا بعد حكم ، وللحكمين من التأثير في النفس ما ليس للحكم الواحد . واما تسفيه الرأي ، والاستهزاء بذلك النصح ، فهو تابع لهذا التأثير ، المتضمن لما ذكر من التصوير والتمثيل . * * * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ تقدم تفسير مثله في قصة صالح ( ص 509 ج 8 تفسير ) وفيه بحث دقيق في ذكر التولي عن القوم ومخاطبتهم بعد هلاكهم . وقد اتحد إعذار الرسولين لاتحاد حال القومين وعذابهما ، ولكن تتمة الآية هناك ( وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) وتتمة الآية هنا فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ولا يبعد عندي ان يكونا قد قالا هذا وذاك ، فعبر عنهما بأسلوب الاحتباك . والمعنى : انني يا قوم قد أبلغتكم رسالات ربي - اي ما ارسلني به إليكم من العقائد والمواعظ والاحكام والآداب - فجمع الرسالة هنا بحسب متعلقها وافرادها في قصة صالح بحسب معناها المصدري - ونصحت لكم بما بينته من معانيها والترغيب فيها وانذار عاقبة الكفر بها ، فكيف آسى اي احزن الحزن الشديد على قوم كافرين أعذرت إليهم ، وبذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم ، فاختاروا ما فيه هلاكهم ، وانما يأسى من قصر فيما يجب عليه من النصح والانذار * * * ( 93 ) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ